معية الله
قد يكون الكثير من حولك وتعيش وسط جمع غفير ..
وتقضي أيامك في انشغالات كثيرة، ولكن فراغ بداخلك واحساس دائم أنَّ
الهموم لن تنتهي ..
قد تلتزم بحُسن الخُلُق، وتحرص على الصدق في حياتك ..
وتجد الأجواء من حولك يسودها ألوانٌ مختلفة وأشكالٌ متفاوتة ..
قد تحرص على أداء فرائض الله وتؤدي حق الله عليك ..
وتشعر أنَّ الحياة فيها صعوبة ومشقة .. وأنَّ الفاسد تسير حياته
بسهولة وسلاسة رغم أنه فاسد ..
فمن أراد أن يعرف أسباب
ارتياح النفس وانشراح الصدر وطمأنينة القلب ..
فعليه أن يتفهم .. كيف يجعل حياته في حفظ الله .. وفي رحاب الله
وفي رعاية الله .. وفي حب الله .. ويعيش
في معية الله ..
إن شعور المؤمن بمعية الله وصحبته يجعله في أمان دائم بربه، وحياة
آمنة بقربه، ويشعر دائمــًا بالنور يغمر قلبه ولو كان في ظلمة الليل، ويشعر بالطمأنينة
والسكينة تملأ عليه حياته وإنْ كان في وحشة مع كل ما حوله.
فَمَن كان الله معه فقد
آوى إلى ركنٍ شديد
معية
الله..المعية العامة.. من رحمة الله بعباده
وعبيده وجميع خلْقه أنه "معهم"، يعطيهم ويرزقهم ويطعمهم ويسقيهم، وهو كذلك "معهم" يعلم سرهم وعلانيتهم، كلامهم ونجواهم، ظاهرهم وباطنهم، شهيد عليهم رقيب
على أعمالهم، قال الله تعالى: [يَعْلَمُ مَا
يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ
وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)]الحديد 004 فالجميع في علمه على سواء، وهذا المعنى الشمولي
للمعية يدرك جميع خلْق الله.
معية
الله..المعية الخاصة.. وهي معية الأمن
والأمان والسكينة والاطمئنان، وهي معية الحفظ والرعاية والتوفيق والنصر والتأييد،
فاز بها أنبياء الله ورسله وهم على درب الدعوة، ويمنُّ الله بها على عباده
الصالحين المؤمنين المتقين المحسنين، فهي
المعية التي ينبغي أن نحرص عليها لنبلغ
هذه الدرجة، ونعيش في رحاب معية الله، ولأن نعيش بها خير من أن نعيش بمعية أي
مخلوق على وجه الأرض [إِنَّ اللهَ مَعَ
الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)] النحل 128.
معية
الله..التقوى.. [وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّـقِينَ]التوبة 036،123 والتقوى تعني الاستقامة والخوف والرجاء والطاعة والرضا، والسعي نحو رضا الله
سبحانه وتعالى، فالله تعالى مع عباده المتقين، والعبد التقي يأتيه بتقواه يقين
داخل نفسه أن الله تعالى معه في كل شئون حياته، فلا يلجأ إلا إليه، ولا يرجوا
غيره، ويناجي ربه دائمــًا وأبدًا ويدعوه لقضاء احتياجاته وتدبير شئونه وتصريف
أموره، وهذا هو النهج السليم للوصول إلى معية الله.
معية
الله..الإحسان.. [وَإِنَّ
اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)]العنكبوت 069 والمحسن يحمل الجد والاجتهاد في شئون دينه، ويحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه من عند الله، بما
هو خارج عن مُدَرَكِ اجتهاده، ويُيَسَرُ له العلم من حيث لا يدري المعنى من تفسير السعدي، لأنه أدرك بإحسانه درجة إيمانية عالية، وكما في حديث جبريل لما
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: (أخبرني عن الإحسان)، قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه،
فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، وقال الله تعالى
في شأن المحسنين ومنزلتهم العظيمة عند الله تعالى مثل منزلة الصحابة الكرام [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ
وَرَضُوا عَنْهُ]التوبة 100.
معية
الله..الصبر..
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)]البقرة 153 والسر في معية الله بالصبر حينما ذكرها الله تعالى مع "الاستعانة"، فالاستعانة بالله هو الملاذ والملجأ في كل شئون الحياة، وما يكون ذلك إلا
بالصبر والصلاة، وفهم هذا المعنى بصورة عملية يأخذنا إلى معالجة وتقويم الاستعجال
داخل النفس، فالطبيعة البشرية بداخلها علة الاستعجال [وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا]الإسراء 011،
والاستعجال يأتي مع النظرة البشرية القاصرة، وحينما نطلب معية الله فهذا يعني
تسليم الأمر كله لله، وهذا لا يتعارض مع السعي بالأسباب ولكن مع الصبر والصلاة ..
والله أعلم.
معية
الله..الذكر.. عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَقُولُ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي،
إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ
ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا
تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعــًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعــًا تَقَرَّبْتُ
مِنْهُ بَاعــًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء
والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، رقم الحديث [2](2675)، صحيح
البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: [ويحذِّركم الله نفسه] آل عمران: 028
والذكر يأخذ صاحبه إلى معية الله لحظة الذكر – وهذا من فضل الله
وكرمه على عباده الذاكرين –، وكما في الحديث الشريف ((وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي)) وقال الله تعالى: [أَلَا
بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)]الرعد 028، فالشعور بمعية الله داخل النفس عند ذكر الله والتعايش بالقلب واللسان مع
الأذكار، فالذاكرون لله تعالى يأخذهم ذكرهم
لمعية الله من توفيق ورعاية وهداية في الدنيا، ورحمة ومغفرة ورضوان في الآخرة بإذن
الله.
معية
الله.. قلوب الأنبياء.. ونحن
نتأمل معية الله مع أنبيائه ورسله نجد فيها العبرة والعظة من أن الله تبارك وتعالى
يختار قلوبــًا صافية نقية تحمل الثبات واليقين، مؤهلة لصعاب الرسالة والدعوة
وتبعاتها، وهو سبحانه معهم ينصرهم ويؤيدهم، وهم على يقين بمعية الله، والأمثلة
لذلك كثيرة في كتابه الحكيم ..
"موسى وهارون عليهما السلام".. [قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ
عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)]طه 045،046، فرعون الطاغية وما لديه من جبروت وطغيان وعدة وعتاد وجنود وأجناد، يقف
أمامه موسى وهارون وما لديهما من قوة إلا قوة الإيمان، فالله تعالى يزيدهم
اطمئنانــًا وأمانــًا وسكينة ويقينـًا أنهما في معية الله وحفظه ورعايته أمام هذا
الطاغية [قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ
مُسْتَمِعُونَ (15)]الشعراء 015، وقد جاء موسى عليه السلام يقين على يقينه وهو وقومه محاصرون من كل جانب،
فرعون وطغيانه من خلفهم والبحر من أمامهم، ولكنه يثق في معية الله وأنه سبحانه وعْدُهُ
الحق [فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا
لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ
مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)] الشعراء 062
"رسول الله صلى الله عليه وسلم".. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل والقدوة، وقد جاء صاحبَه
أبا بكر رضي الله عنه الحزنُ والقلقُ عندما اشتد حصار الكفار وهما في الغار عند
الهجرة، [إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
تَرَوْهَا]التوبة 040،وسكينة أبي بكر رضي الله عنه بسكينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
والله أعلم.
إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل وقدوة في كل حياتنا وكذلك
الأنبياء والرسل من قبله [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ]الممتحنة 006، وإن كانت قلوبنا ضعيفة ونفوسنا غير سوية، ولكن نحاول ونجتهد
ونصارع نفوسنا في أن ننهج نهجه ونتبع سنته وسيرته العطرة صلى الله عليه وسلم حتى
نصل إلى معية الله بإذن الله.
إنه أجمل شعور وإحساس .. أن
يشعر المؤمن أنَّ الله معه، يَسمعه إذا شكا،
ويُجيبه إذا دعا، ويمدُّه إذا ضعُف، ويُعينه إذا احتاج، ويأخذ بيده إذا اشتد عليه
أمره، ويحفظه الله تعالى في كل وقت وحين.
شاهد فيديو متميز .. هدهد يطعم صغيره



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق