مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
الإخلاص لله تعالى في الأعمال الصالحة فيه
تعظيم لجلال الله سبحانه وتعالى، وشعور قلبي واستشعار نفسي بأن الله مالك الملك
ليس لنا معبود سواه، قال الله تعالى: [هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)]غافر 065، فلا معبود سواه، ولا عبودية بحق إلا لوجهه الكريم، ونبتغي وجهه سبحانه
في كل عبادة ودعاء وعمل.
وهكذا أمرُ الله في سائر الشرائع [وَمَا
أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ] البينة 005، فما أُمِرُوا إلا أن يعبدوا اللهَ قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة
والباطنة وجه الله، [حُنَفَاءَ] أي: معرضين (مائلين)،
عن كل ما يخالف عقيدة التوحيد.
قد يعمل الكافر أعمالًا خيرية، وقد نجد لديه سلوكيات راقية، ولكنه
أعرض عن إتباع الحق وسار وفق هوى نفسه وابتغى غير الله في عمله فلا قيمة لعمله، فصاحب
العمل لم يُسلِم نفسه لله تعالى، فالأعمال الصالحة المقبولة عند الله تعالى هي
الأعمال المبنية على عقيدة سليمة راسخة، وقائمة على إخلاص لله تعالى في ظاهرها
وباطنها، ويقول الله تعالى في شأن أعمال الكافرين [وَقَدِمْنَا
إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)] الفرقان 023، وقال تعالى: [وَالَّذِينَ
كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى
إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ
حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)] النور 039
إنَّ الإخلاص لله تعالى في ظاهر الأعمال وباطنها أمر هام جدًا
يتطلب تهذيب النفس وتقويمها، حتى تخرج الأعمال منها صافية نقية لا تشوبها شائبة ..
التهذيب الأول: الشرك
الأصغر
يقول العلماء: "الشرك الأصغر" منقسمٌ إلى "شرك قلبي" كالرياء، والتوكل على الأسباب (وليس على ربِّ الأسباب)، وإلى "شرك عملي" كاللجؤ إلى غير الله كالتمائم والتعاويذ والحلف بغير الله.
عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخوف ما
أخاف عليكم الشرك الأصغر)) قالوا: (وما الشرك الأصغر يا رسول الله) قال: ((الرياء؛
يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جُزي الناس بأعمالهم، اذهبوا إلى الذين كنتم
تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)) مسند الإمام أحمد
إنَّ العمل الصالح السوي يصدر من قلب نقي خاشع لله تعالى، والرياء يصدر من
قلب فيه علة يبطل العمل الصالح ويضيع ثوابه على صاحبه، لأنه أشرك مع الله عُجْبَه
بنفسه وطلبه للشهرة والسمعة بين الناس حتى يعظموه ويعتقدوا فيه خيرًا، فابتغى
الشهرة والعظمة بعمله فلم يقبل الله عمله، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَىَ: أَنَا أَغْنَىَ الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ. مَنْ عَمِلَ
عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)) صحيح مسلم،
كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم الحديث [46] (2985)
وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبــًا
الْعَلَقِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ يُسَمِّعْ
يُسَمِّعِ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ)) صحيح مسلم،
كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم الحديث [48] (2987)
قال العلماء: معناه من رايا بعمله
وسمعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه، وقيل: أراه الله ثواب ذلك من
غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه.
التهذيب الثاني: الشرك
الخفي
والشرك الخفي لا يختلف كثيرًا عن
الرياء، إلا أنه أخفى منه، فقد لا ينتبه له صاحبه بالمرة ..
ويظهر أكثر ما يظهر في "الهوى"، وقد لا يكون "الهوى" في أعمال العبادات، ولكن قد يظهر في أعمال الخيرات أو ابتغاء الحسنات، أو
السلوكيات والمعاملات وزيادة "الأنا" داخل نفس صاحبها، ويحتاج ذلك إلى تهذيب النفس بتجديد النية لله تعالى في كل عمل صالح مع تقويم
النفس بكثرة ذكر الله.
روى أحمد والطبراني وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري قال: خَطَبَنَا رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ؛ اتَّقُوا الشِّرْكَ،
فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ))، فَقَالَ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ
يَقُولَ: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ
النَّمْلِ؟ قَالَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ
نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ))
إنَّ الإخلاص لله تعالى في الأعمال
الصالحة ينبع من قلب سليم يؤمن بالله واليوم الآخر، يحب الله ورسوله ويرجوا لقاء
الله، يرجوا رحمته ومغفرته ورضوانه [فَمَنْ
كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)]الكهف 110




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق